زكريا القزويني
158
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ الأعراف : 143 ] ، والذي بقرب مدين لا يخلو من الصلحاء ، وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجرة العليق « 1 » . ( جبل طور هارون ) جبل مشرف على قبلي بيت المقدس ، وإنما سيم طور هارون لأن موسى بعد قتل عبدة العجل أراد المضي إلى مناجاة ربه ، فقال له هارون : احملني معك فإني لست آمنا أن يحدث ببني إسرائيل حدث فتغضب علي مرة أخرى ، فحمله معه ، فلما كان ببعض الطريق إذ هما برجلين يحفران قبرا فوقفا عليه وقالا : لمن تحفران هذا القبر ، فقالا : لأشبه الناس بهذا الرجل وأشارا إلى هارون ، ثم قالا له : بحق إلهك إلا ما نزلت وأبصرت هل هو واسع فنزع هارون ثيابه ودفعها إلى موسى أخيه ونزل القبر ، ونام فيه فقبض اللّه روحه في الحال ، وانضم القبر عليه فانصرف موسى باكيا حزينا على مفارقته وانصرف إلى بني إسرائيل بثياب هارون فاتهموه بقتله « 2 » فدعا اللّه تعالى حتى أراهم تابوته بين الصفا على رأس الجبل ، فسمي الجبل جبل هارون . ( جبل الطير ) بصعيد مصر في شرقي النيل بقرب أنصنا ، وإنما سمي بذلك ؛ لأن صنفا من الطير أبيض يقال له البوقير ، يجيء في كل عام في وقت معلوم فينعكف على الجبل ، وفيه كوة يأتي كل واحد منها ويدخل رأسه في هذه الكوة ثم يخرجه ويلقي نفسه في النيل ، ويقوم ويذهب من حيث جاء حتى يدخل واحد رأسه فيها فينقض على رأسه شيء من تلك الكوة فيضطرب ويبقى معلقا فيها إلى أن يتلف فيسقط نفسه من بعد مدة ، فإذا كان ذلك انصرف الباقي لوقته فلا يرى شيء من هذا الطير في هذا الجبل إلى ذلك الوقت المعلوم من العام القابل .
--> ( 1 ) شجر العليق : نبات أخضر ضعيف الساق يتعلق بالشجر ويتلوى عليه ليصل إلى ضوء الشمس . ( 2 ) قال السدي : عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا : ثم إن اللّه تعالى أوحى إلى موسى إني متوف هارون ، فائت به جبل كذا وكذا ، فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل ، فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها ، وإذا هم ببيت مبني وإذا هم بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى : . . . إني أحب أن أنام على هذا السرير ، قال له موسى : فنم عليه ، قال : إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت ، قال له موسى : لا تخف فنم . فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ، ورفع السرير إلى السماء ، فلما رجع موسى إلى قومه ، وليس معه هارون ، قالوا : إن موسى قتل هارون وحسده على حب بني إسرائيل له ، وكان هارون أكف عنهم ، وألين لهم من موسى ، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم ، فلما بلغه ذلك قال لهم : ويحكم كان أخي أفتروني أقلته ؟ ! فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا اللّه فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض ، قال ابن كثير : وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة واللّه تعالى أعلم ، انظر قصص الأنبياء لابن كثير ( 325 ) .